فخر الدين الرازي

35

تفسير الرازي

* ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) * ( الجمعة : 10 ) يدل على الاحتياج فكيف هو ؟ نقول : لا يدل على الاحتياج ، لأن قوله : * ( فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) * للإباحة كما مر والإباحة مما ينافي الاحتياج إلى الكسب لما أن الاحتياج مناف للتخيير . ثم قال تعالى : * ( وَاللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّاتِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الاَْحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ) * . قوله : * ( واللائي يئسن من المحيض ) * الآية ، ذكر الله تعالى في سورة البقرة عدة ذوات الأقراء والمتوفى عنها زوجها وذكر عدة سائر النسوة اللائي لم يذكرن هناك في هذه السورة ، وروي أن معاذ بن جبل قال : يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض ، فما عدة التي لم تحض فنزل : * ( واللائي يئسن من المحيض ) * وقوله : * ( إن ارتبتم ) * أي إن أشكل عليكم حكمهن في عدة التي لا تحيض ، فهذا حكمهن ، وقيل : إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ الإياس وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين أهو دم حيض أو استحاضة * ( فعدتهن ثلاثة أشهر ) * فلما نزل قوله تعالى : * ( فعدتهن ثلاثة أشهر ) * قام رجل فقال : يا رسول الله فما عدة الصغيرة التي لم تحض ؟ فنزل : * ( واللائي لم يحضن ) * أي هي بمنزلة الكبيرة التي قد يئست عدتها ثلاثة أشهر ، فقام آخر وقال ، وما عدة الحوامل يا رسول الله ؟ فنزل : * ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) * معناه أجلهن في انقطاع ما بينهن وبين الأزواج وضع الحمل ، وهذا عام في كل حامل ، وكان علي عليه السلام يعتبر أبعد الأجلين ، ويقول : * ( واللذين يتوفون منكم ) * ( البقرة : 234 ) لا يجوز أن يدخل في قوله : * ( وأولات الأحمال ) * وذلك لأن أولات الأحمال إنما هو في عدة الطلاق ، وهي لا تنقض عدة الوفاة إذا كانت بالحيض ، وعند ابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين . وأما ابن مسعود فقال : يجوز أن يكون قوله : * ( وأولات الأحمال ) * مبتدأ خطاب ليس بمعطوف على قوله تعالى : * ( واللائي يئسن ) * ولما كان مبتدأ يتناول العدد كلها ، ومما يدل عليه خبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوماً ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج ، فدل على إباحة النكاح